أبي منصور الماتريدي

217

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولا قوة إلا بالله . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 243 إلى 245 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) وقوله : أَ لَمْ تَرَ ، حرف تعجب وتنبيه ، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد الإنباء عنه ، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه ، ليتجدد بالنظر فيه عهدا . وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة ، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر « 1 » مرة وإلى العلم به ثانية ، وإلى النظر فيه ثالثا ، على اختلاف ما قيل . وفيه كل ذلك . واللّه تعالى أعلم . قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ، « ألم تخبر » ، و « ألم تنظر » ، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة . فالقصد فيه - واللّه تعالى أعلم - أنه جواب قوله : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ، أخبرهم اللّه عزّ وجل عن قصة هؤلاء : أن جهلهم بآجال أولئك حملهم على هذا القول ؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ديارهم حذر الموت ، ثم لم ينفعهم ذلك بل أميتوا . كذلك هذا . ثم اختلف في قصة هذه : - قال بعضهم « 2 » : أخرجوا فرارا من الجهاد في سبيل اللّه ، فأماتهم اللّه ، ثم أحياهم ، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل اللّه . وقال آخرون « 3 » : وقع الطاعون في قريتهم ، فخرج أناس وبقي أناس ، فمن خرج أكبر « 4 » ممن بقي ، فنجا الخارجون ، وهلك الباقون ، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا ، فأماتهم اللّه ، ثم أحياهم . فلا تدرى كيف كانت القصة . فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سبيل اللّه ، وله نظير في الآيات ، قوله تعالى : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى

--> ( 1 ) في أ : الجبر . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 5608 ) ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 1 / 553 ) . ( 3 ) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 5611 ) ، وعن عمرو بن دينار ( 5614 ، 5615 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 553 ) . ( 4 ) في أ : أكثر .